سبب الخلاف في مسألة التصوير الضوئي


 

بسم اللّه الرحمن الرحيم


إن الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
 

وبعد: فهذا بيان لسبب الخلاف الواهي في مسألة التصوير الضوئي، وهو تشخيص دقيق، ودواء مفيد، لمن اختلط عليه الأمر في المسألة، وكثرت عليه الأقوال، واحتار في معرفة الصواب منها.
 

وبعد قراءتك لهذا، فالمتوقع أن تقرأ الكتاب الكامل، أو على الأقل ملخصه، لفهم ماهية التصوير الضوئي فهما علميا لا سطحيا. وهذا أمر يستدعيه الحكم في هذه المسألة، لأنها كبيرة من الكبائر، وتمس توحيد صفة من صفات الله عز وجل.
 

وقد استللت هذا البيان من كتابي (بزوغ ضياء الفجر الوضاء على سحر مسألة التصوير بالأضواء) لتيسير نشره، سائلين الله نفعه وذخره في الدنيا والآخرة.


قال الشيخ يحيى الحجوري — وفقه اللّه لما يحبه ويرضاه — في رسالته (وجوب التنكير لفتنة اقتراف كبيرة التصوير):

وإنك واللّه ليطول عجبك من جرأة كثير من الناس على هذه الكبيرة وتوسيع[ها] ونشرها والمجاهرة بها وكأنها من صميم الدين بل ربما الغضب والتنقص والإزدراء لمن أنكرها أنه لا يفقه الدين، ويا لها من كارثة في تقليب الحقائق وانتكاس الفقه والفطر بمثل هذه الجهالات.
قلت: سبب هذا ما ذكره شيخ الإسلام في «درء تعارض العقل والنقل» (1/ 20-21):
ولما كان بيان مراد الرسول صلي الله عليه وسلم في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك علي نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله، وعن فهم مراد الرسول وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أي دليل أقيم علي بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه، بل يصير ذلك قدحاً في الرسول، وقدحاً فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الأخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع علي نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء، أو نفي أمره ونهيه، أو امتناع المعاد، أو غير ذلك، لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة…

قلت: والمعارض العقلي في مسألة التصوير الضوئي تسبب في ظهوره التقول بغير علم في "نازلة من النوازل"1، وفتاوى بعض أهل العلم الأفاضل، فزاد ذلك في تفشي التصوير في هاته الأمة المنكبة على الشهوات، وتسلح بتلك الفتاوى والشُّبه من لا يتقي اللّه، وأثاروا مزيدًا من الشبهات، وأنكروا على من أنعم اللّه عليه ببصيرة، حفظه بها من الوقوع في كبيرة.
وعماد هذه السفسطة محاولة نفي كون التصوير الضوئي تصويرًا.

ثم قال شيخ الإسلام:
…لا ينفعه الاستدلال عليه في ذلك بالكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض.
وفساد ذلك المعارض قد يعلم جملة وتفصيلاً.

أما الجملة، فإنه من آمن بالله ورسوله إيماناً تاماً، وعلم مراد الرسول قطعاً تيقن ثبوت ما أخبر به، وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية، كما قال تعالي {والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد} الشورى: 16.

وأما التفصيل، فبعلم فساد تلك الحجة المعارضة، وهذا الأصل نقيض الأصل الذي ذكره طائفة من الملحدين، كما ذكره الرازي في أول كتابه نهاية العقول حيث ذكر أن الاستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال لأن الاستدلال بها موقوف علي مقدمات ظنية، وعلى دفع المعارض العقلي، وإن العلم بانتقاء المعارض لا يمكن، إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقلي يناقض ما دل عليه القرآن، ولم يخطر ببال المستمع.


قلت: أما الجملة فإنه علم أن نصوص تحريم تصوير ذوات الأرواح عامة، وعلم أن ما عارض ذلك من الحجج فهي حجج داحضة من جنس شبه السوفسطائية، وهذا ما يقرره علماؤنا حين يسألون عما يقوله المجيزون لهذا التصوير.
وأما التفصيل، فبعلم فساد نفي كون التصوير الضوئي تصويرا.


وفساد هذا النفي ظاهر جلي، ولكن للتلبيس قبولا عجيبا في النفوس إن صادف جهلا وهوى، وهو مسبوق، وله أمثلة ارتأينا ذكر أنسبها لشدة شبهه بها، ألا هو تلبيس الجهمية.
قال الدارمي في "الرد على الجهمية" (ت البدر — ص23):

حَتَّى كَانَ الْآنَ بِآخِرِهِ، حَيْثُ قَلَّتِ الْفُقَهَاءُ، وَقُبِضَ الْعُلَمَاءُ، وَدَعَا إِلَى الْبِدَعِ دُعَاةُ الضَّلَالِ، فَشَدَّ ذَلِكَ طَمَعَ كُلِّ مُتَعَوِّذٍ فِي الْإِسْلَامِ، مِنْ أَبْنَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَنْبَاطِ الْعِرَاقِ، وَوَجَدُوا فُرْصَةً لِلْكَلَامِ، فَجُدُّوا فِي هَدْمِ الْإِسْلَامِ، وَتَعْطِيلِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَإِنْكَارِ صِفَاتِهِ، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَإِبْطَالِ وَحْيِهِ إِذْ وَجَدُوا فُرْصَتَهُمْ، وَأَحَسُّوا مِنَ الرِّعَاعِ جَهْلًا، وَمِنَ الْعُلَمَاءِ قِلَّةً، فَنَصَبُوا عِنْدَهَا الْكُفْرَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يْدَعُونَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَظْهَرُوا لَهُمْ أُغْلُوطَاتٍ مِنَ الْمَسَائِلِ، وَعَمَايَاتٍ مِنَ الْكَلَامِ، يُغَالِطُونَ بِهَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، لِيُوقِعُوا فِي قُلُوبِهِمُ الشَّكَّ، وَيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ أَمْرَهُمْ، وَيُشَكِّكُوهُمْ فِي خَالِقِهِمْ، مُقْتَدِينَ بِأَئِمَّتِهِمُ الْأَقْدَمِينَ، الَّذِينَ قَالُوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] وَ {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص: 7] 

فَحِينَ رَأَيْنَا ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَفَطَنَّا لِمَذْهَبِهِمْ، وَمَا يَقْصِدُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَإِبْطَالِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، وَنَفْيِ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ وَالْأَمْرِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، رَأَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ رُسُومًا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ، مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ أَهْلُ الْغَفْلَةِ مِنَ النَّاسِ عَلَى سُوءِ مَذْهَبِهِمْ، فَيَحْذَرُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَيَجْتَهِدُوا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، مُحْتَسِبِينَ مُنَافِحِينَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، طَالِبِينَ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ.

وَقَدْ كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، وَقَدْ كَانُوا رُزِقُوا الْعَافِيَةَ مِنْهُمْ، وَابْتُلِينَا بِهِمْ عِنْدَ دُرُوسِ الْإِسْلَامِ، وَذَهَابِ الْعُلَمَاءِ، فَلَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ نَرُدَّ مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ بِالْحَقِّ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّفُ مَا أَشْبَهَ هَذَا عَلَى أُمَّتِهِ، وَيُحَذِّرُهَا إِيَّاهُمْ، ثُمَّ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ وَالتَّابِعُونَ، مَخَافَةَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ وَفِي الْقُرْآنِ بِأَهْوَائِهِمْ فَيَضِلُّوا، وَيَتَمَارَوْا بِهِ عَلَى جَهْلٍ فَيَكْفُرُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ: «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ كَانُوا يَتَّقُونَ تَفْسِيرَهُ، لِأَنَّ الْقَائِلَ فِيهِ إِنَّمَا يَقُولُ عَلَى اللَّهِ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: «أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي ، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ فِي كَلَامِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ.


وعلى هذا المنوال أقول عن فتنة التصوير:
حتى كان بآخر الزمان، حيث قلت الفقهاء، وقبض العلماء، وقال بتحليل التصوير الضوئي من لا يفقهه، فشدّ ذلك طمع كل ذي هوى، من إعلاميين ومُمَيّعين، ووجدوا فرصة للكلام، فجدّوا في التقرب للكفار، وزعموا أن الإسلام يواكب حضارتهم — زعموا —، وأنكروا كون التصوير الضوئي تصويرًا، وكذّبوا من حرّمه، وشنّعوا عليهم إذ وجدوا فرصتهم، وأحسّوا من الرعاع جهلا، ومن العلماء قِلَّة، فنصبوا عندها التلبيس للناس إمامًا يدعونهم إليه، وأظهروا لهم أغلوطات من المسائل، وعمايات من الكلام، يغالطون بها أهل الإسلام، ليوقعوا في قلوبهم الشك، ويلبسوا عليهم أمرهم، ويشكِّكُوهم في حكم مسألة بدهية، واقعين في حال مَن قالوا: {إنما نحن مصلحون} [البقرة: 11].


فحين رأينا ذلك منهم، وفطنا لمذهبهم، رأينا أن نبين غلطهم وتضلعهم في ما لا يفهمون، فيَستدل بذلك أهل الغفلة من الناس على سوء مذهبهم، ويحذرونه على أنفسهم وأولادهم وأهليهم، ويجتهدوا في الرد على شبههم، محتسبين منافحين عن دين الله تعالى، طالبين به ما عند الله.


وقد ردّ جمع مِن مَن مضى من علمائنا المعاصرين عليهم ردا مجملًا، وابتلوا بعض الشيء على الرغْم من بساطة الآلات، وابتلينا نحن بالمزيد عند دروس الفقه، وذهاب العلماء، وتفشي فتنة الدنيا وتغلغل فكر وعادات الكفار في أواسط المسلمين، وشيوع وتطور آلات ووسائل التصوير، وتفشيه في أواسط العامة، فلم نجد بدا من أن نرد ما أتوا به من الباطل بالحق.

 

الكتاب الكامل: https://arm-alqaddari.codeberg.page/books/buzoogh/