ابن عبد البر — سير أعلام النبلاء


‌‌85 - ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أَبُو عُمَرَ يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ النَّمَرِيُّ

الإِمَامُ، العَلَاّمَةُ، حَافظُ المَغْرِبِ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو عُمَرَ يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ البَرِّ بنِ عَاصِمٍ النَّمَرِيُّ ، الأَنْدَلُسِيُّ، القُرْطُبِيُّ، المَالِكِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ الفَائِقَة.

مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلَاثِ مائَة فِي شَهْرِ رَبِيْعٍ الآخِرِ.

وَطَلَبَ العِلْم بَعْد التِّسْعِيْنَ وَثَلَاثِ مائَة، وَأَدْرَكَ الكِبَار، وَطَالَ عُمُرُهُ، وَعلَا سندُه، وَتَكَاثر عَلَيْهِ الطلبَةُ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ، وَوثَّق وَضَعَّف، وَسَارَتْ بتَصَانِيْفه الرُّكبَانُ، وَخَضَعَ لعلمه عُلَمَاء الزَّمَان، وَفَاتَهُ السَّمَاعُ مِنْ أَبِيْهِ الإِمَام أَبِي مُحَمَّدٍ ، فَإِنَّهُ مَاتَ قَدِيْماً فِي سَنَةِ ثَمَانِيْنَ وَثَلَاثِ مائَة، فَكَانَ فَقِيْهاً عَابِداً مُتَهَجِّداً، عَاشَ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ عَلَى التُّجِيْبِيّ ، وَسَمِعَ مِنْ أَحْمَد بن مُطرف، وَأَبِي عُمَرَ بن حَزْم المُؤَرِّخ.

قَالَ الحُمَيْدِيُّ :أَبُو عُمَرَ فَقِيْهٌ حَافظٌ مُكْثِرٌ، عَالِم بِالقِرَاءات وَبَالخلَاف، وَبعلُوْم الحَدِيْث وَالرِّجَال، قَدِيْمُ السَّمَاع، يَمِيْل فِي الفِقْه إِلَى أَقْوَال الشَّافِعِيّ.

وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بِبلدنَا فِي الحَدِيْثِ مِثْلَ قَاسِم بن مُحَمَّدٍ، وَأَحْمَد بن خَالِدٍ الجَبَّاب.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ عبد الْبر بدونهمَا، وَلَا متخلفاً عَنْهُمَا، وَكَانَ مِنَ النَّمِرِ بن قَاسِط، طلب وَتَقدَّم، وَلَزِمَ أَبَا عُمَر أَحْمَدَ بنَ عَبْدِ المَلِكِ الفَقِيْه، وَلَزِمَ أَبَا الوَلِيْدِ بن الفَرَضِي، وَدَأَب فِي طَلَبِ الحَدِيْثِ، وَافْتَنَّ بِهِ، وَبَرَعَ برَاعَة فَاقَ بِهَا مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ رِجَال الأَنْدَلُس، وَكَانَ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي علم الأَثر وَبَصَرِهِ بِالفِقْه وَالمَعَانِي لَهُ بسطَةٌ كَبِيْرَةٌ فِي علم النّسَب وَالأَخْبَار، جلَا عَنْ وَطَنه، فَكَانَ فِي الغَرْب مُدَّةً، ثُمَّ تَحَوَّل إِلَى شَرْقِ الأَنْدَلُس، فَسَكَنَ دَانِية، وَبَلَنْسِية، وَشَاطِبَة ، وَبِهَا تُوُفِّيَ .
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِد أَنَّ أَبَا عُمَر وَلِيَ قَضَاءَ أُشْبُونَة مُدَّة .

قُلْتُ: كَانَ إِمَاماً ديِّناً، ثِقَة، مُتْقِناً، علَامَة، مُتَبَحِّراً، صَاحِبَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاع، وَكَانَ أَوَّلاً أَثرِياً ظَاهِرِياً فِيْمَا قِيْلَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مَالِكيّاً مَعَ مَيْلٍ بَيِّنٍ إِلَى فَقه الشَّافِعِيّ فِي مَسَائِل، وَلَا يُنكر لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ بلغَ رُتْبَة الأَئِمَّة المُجْتَهِدين، وَمَنْ نَظَرَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ، بانَ لَهُ مَنْزِلَتُهُ مِنْ سعَة العِلْم، وَقُوَّة الفَهم، وَسَيَلَان الذّهن، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْركُ إِلَاّ رَسُوْل اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَكِن إِذَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ، لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ ننسَى مَحَاسِنهُ، وَنُغطِي معَارِفه، بَلْ نستغفرُ لَهُ، وَنَعْتَذِرُ عَنْهُ.

قَالَ أَبُو القَاسِمِ بنُ بَشْكُوَال :ابْنُ عبدُ البَرِّ إِمَامُ عَصْرِهِ، وَوَاحِدُ دَهْرِهِ، يُكْنَى أَبَا عُمَر.

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ بنُ سُكَّرَة: سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيْدِ البَاجِي يَقُوْلُ: لَمْ يَكُنْ بِالأَنْدَلُسِ مِثْل أَبِي عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْبر فِي الحَدِيْثِ، وَهُوَ أَحْفَظُ أَهْلِ المَغْرِب .


وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ: أَلَّف أَبُو عُمَرَ فِي (المُوَطَّأِ) كتباً مُفِيْدَة مِنْهَا: كِتَاب (التّمهيد لمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيْد) فَرتَّبَهُ عَلَى أَسْمَاء شُيُوْخ مَالِك، عَلَى حُرُوف المُعْجَم، وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يَتَقَدَّمه أَحَدٌ إِلَى مِثْلِهِ، وَهُوَ سَبْعُوْنَ جُزْءاً .
قُلْتُ: هِيَ أَجزَاء ضَخْمَة جِدّاً.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا أَعْلَمُ فِي الكَلَام عَلَى فِقه الحَدِيْث مِثْلَه فَكَيْفَ أَحْسَن مِنْهُ ؟
ثُمَّ صَنَعَ كِتَاب (الاسْتذكَار لمَذْهَب عُلَمَاء الأَمصَار فِيمَا تَضَمَّنَهُ المُوَطَّأ مِنْ معَانِي الرَّأْي وَالآثَار ) شرح فِيْهِ (المُوَطَّأ) عَلَى وَجهه، وَجَمَعَ كِتَاباً جَلِيْلاً مُفِيْداً وَهُوَ (الاسْتيعَاب فِي أَسْمَاء الصَّحَابَة ) ، وَلَهُ كِتَاب (جَامِع بيَان العِلْم وَفضله، وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَته وَحمله ) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ تَوَالِيفه.
وَكَانَ مُوَفَّقاً فِي التَأْلِيف، مُعَاناً عَلَيْهِ، وَنَفَع الله بتوَالِيفه، وَكَانَ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي علم الأَثر وَبَصَرِهِ بِالفِقْه وَمعَانِي الحَدِيْث لَهُ بَسْطَةٌ كَبِيْرَة فِي علم النّسَب وَالخَبَر .
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ أَبَا عُمَر وَلِيَ قَضَاءَ الأُشبونَة وَشَنْتَرِيْنَ فِي مُدَّة المُظَفَّر ابْن الأَفْطَس .

وَلأَبِي عُمَرَ كِتَاب (الكَافِي فِي مَذْهَب مَالِك) خَمْسَةَ عَشَرَ مُجلداً، وَكِتَاب (الَاكتفَاء فِي قِرَاءة نَافِع وَأَبِي عَمْرٍو) ، وَكِتَاب (التقصّي فِي اخْتصَار المُوَطَّأ) ، وَكِتَاب (الإِنباهُ عَنْ قبَائِل الرُّوَاة) ، وَكِتَاب (الَانتقَاء لمذَاهب الثَّلَاثَة العُلَمَاء مَالِك وَأَبِي حَنِيْفَةَ وَالشَّافِعِيّ) ، وَكِتَاب (البيَان فِي تِلَاوَة القُرْآن) ، وَكِتَاب (الأَجوبَة الموعبَة) ، وَكِتَاب (الكنَى) ، وَكِتَاب (المَغَازِي) ، وَكِتَاب (الْقَصْد وَالأُمَم فِي نسب العَرَب وَالعجم) ، وَكِتَاب (الشوَاهد فِي إِثْبَات خَبَر الوَاحِد) ، وَكِتَاب (الإِنصَاف فِي أَسْمَاء الله) ، وَكِتَاب (الفَرَائِض) ، وَكِتَاب (أَشعَار أَبِي العتَاهية)

وَعَاشَ خَمْسَةً وَتِسْعِيْنَ عَاماً.

قَالَ أَبُو دَاوُدَ المُقْرِئ: مَاتَ أَبُو عُمَرَ لَيْلَة الجُمُعَة سلخ ربيع الآخر، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَاسْتكمل خَمْساً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَيَّام رحمه الله.

وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا عُمَر كَانَ يَنْبَسِط إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ بن حَزْم، وَيُؤَانسُهُ، وَعَنْهُ أَخَذَ ابْنُ حَزْمٍ فَنَّ الحَدِيْث.
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ أَبِي الفَتْحِ: كَانَ أَبُو عُمَرَ أَعْلَمَ مَنْ بِالأَنْدَلُسِ فِي السُّنَن وَالآثَار وَاخْتِلَافِ عُلَمَاء الأَمصَار.
قَالَ: وَكَانَ فِي أَوّل زَمَانه ظَاهِرِيَّ المَذْهَب مُدَّةً طَوِيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى القَوْلِ بِالقيَاس مِنْ غَيْرِ تَقليدِ أَحَد، إِلَاّ أَنَّهُ كَانَ كَثِيْراً مَا يَمِيْلُ إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ. كَذَا قَالَ. وَإِنَّمَا المَعْرُوفُ أَنَّهُ مَالِكِيّ.

قُلْتُ: وَكَانَ فِي أُصُوْل الدّيَانَة عَلَى مَذْهَب السَّلَف، لَمْ يَدْخُلْ فِي علم الكَلَام، بَلْ قفَا آثَارَ مَشَايِخه رحمهم الله.

«سير أعلام النبلاء» (18/ 153-163)