استبدلنا الصراحة بالغيبة
ليس الذي يفسد روابط القرابة اختلاف الآراء، فإن الاختلاف قديم واقع، وإنما يفسدها ترك المصارحة حتى تنقلب غيبة وطعنا.
وذلك أن المرء يعجز عن مواجهة قريبه بما في نفسه، فيتكلم فيه لا إليه، متزينا بلباس النصيحة، متكئا على دعوى الفضل، وهو منها براء.
نلقاه بوجه طَلْق، وكلام لين، وتودد متكلف،
فإذا غاب أطلقنا فيه ألسنتنا، واغتلناه في عرضه.
وليس هذا من الأدب في شيء، بل هو من الجبن،
بل هو حمق صريح، وهو خوف تَسَتَّرَ بثوب الحلم.
فإن الصراحة مخاطرة، وأما الغيبة فسهلة، يجد فيها صاحبها لذة كاذبة، ويظنها قياما بالحق.
ففوض الناس شجاعتهم إلى القيل والقال، وسموا ذلك حرصا ونصحا.
وهذا الصنيع هو الذي يخرب العشرة، ويجتث معانيها، فتصبح خاوية على عروشها،
ويقطع سبيل التعاون، ويمنع التناصح، ويعطل باب الإصلاح.
وطبق هذا على سائر المعاملات، إذ لا يختص بالأهل دون غيرهم.
لا تدار فيما يجب بيانه، ولا تصاحب من عادته المداراة، ولا تلازِم من لا يحتمل الصراحة.
نعم، ستضيق الدائرة، لكنها أسلم، وأصدق، وأبقى.