التعالم - 1

وقال الشافعي: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحَسَن لقلتُ لفصاحتِه. وقد حملتُ عنه وقْر بُخْتِيّ كُتُبًا.

وعن الشّافعيّ قال: ما ناظرتُ سمينًا أذكى من محمد. وناظرتُه مرّةً فاشتدّت مناظرتي له، فجعلتْ أوداجُه تنتفخ وأزراره تتقطّع زِرًّا زِرًّا.

[الذهبي، شمس الدين، تاريخ الإسلام ط التوفيقية، ١٩٩/١٢]

قلت: وسر هذا — وليس سرا لمن عرف أحوال القوم — أن الرجلين من العلماء، بل من أعلام العلماء، ولهم من الرسوخ في العلم والتمكن والإنصاف والتجرد ما يقل نظيره.

ومن السيئ جيدا مقارنة أحوال هؤلاء بالجهل الذي نعاصره، إذ لم يكن انفعال ابن الحسن حنقا ولا عنادا، بل هو نتيجة طبيعية لشدة احتدام العقول وتبادل الحجج والأقوال.

ولا يعرف هذا من لم يجربه، ولا يجربه من لم يمتلك المادة والفهم الكافِيَيْنِ.
ومثال هذا شدة ابن تيمية عند احتدام النقاش، فهو من جنس الشافعي، كلاهما أسد عند النقاش يفترس خصمه.
ومثلهما الألباني، على أنه لم يكن يتسنى له من يناقشه في المستوى المطلوب، وكان يتأسف لذلك.

من السيئ جدا مقارنة مثل هاته المواقف الملهمة والعظيمة بالجدال العقيم والمناوشات والجهل.

مشكلتنا اليوم الجهل المركب. الداء العضال، الذي كلما داويته ازدادت شدته. فمن أراد السلامة، فلينئ عنه، وليقبل على شأنه.

نسأل الله السلامة والعافية.

———

قلت: ومن خفايا هذا النقل، قوله: "مرة".
أي: لم يكن هذا المعتاد، وهذا شديد الوضوح في بيان الفرق بين النقاش المفيد والنقاش العقيم.

معلوم أن نقاش السلف كان لبيان الحق والوصول إليه، كما قال الشافعي: لا أبالي أين كان الحق، أمعي أم مع خصمي. أو كما قال.
ولذلك مهما اشتد النقاش لم يؤثر ذلك في مودتهم.

أما النقاش العقيم فعادته الاحتدام، لأن المتعالم له ثقة كبيرة بما توصل إليه بفهمه السطحي، ويرى غيره مخطئا، فيباشر بنقده والرد عليه وصياغة وجهة نظره صياغة مزخرفة يخفي بها ضحالة اللب أو انعدامه.

وأي شيء يعارض ذلك يشكل عليه، إذ لا يتفق مع ما تقرر في ذهنه، فلا يزداد إلا شدة في المواجهة ومحاولة إرضاخ الخصم.

ومثل هذا مرهق ومتعب لأن الجهل المركب يحملك مسؤولية بيان بطلانه وتتبع سبب ذلك وجذوره. فبدل أن يتعلم المتعالم ليتأصل، يباشر ما لا قبل له به، فلا يبقى لديك إلا الانسحاب أو تضييع الوقت والجهد. والعاقل أدرى بمحدوديته ومحدودية طاقته.

ولذلك لا يرتاح المرء إلا لمن يبادر السؤال والاستفسار وحسن صياغة المسائل.

أما غير هذا فضياع وإن زخرفه المزخرفون، وننصح إخواننا بترك ذلك كله والإقبال على شأنهم والتعاون مع من محادثته تشرح القلب والصدر.

والله، بعض الناس لا يشعر بضيق القلب من النقاش العقيم، إذ لا قدرة له على استيعاب ذلك، كما لا يتأثر من يظل مستمعا للشبهات والافتراء على الدين، فلا يتمعر وجهه ولا يشعر بالخوف. وإذا أنكرت عليهم هذا قال لك هذا واجب ونحتاج أن نطلع ونرد.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

الهدوء والسكينة والعزلة والصمت والتعلم والمثابرة مفاهيم عزيزة ثمينة فقدت في عصر المباهاة والعلنية والنشر والسطحية. فأصبح نهج العلماء منكرا وتقوقعا.

والله المستعان.