اشتداد المناظرة

 وقال الشافعي: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحَسَن لقلتُ لفصاحتِه. وقد حملتُ عنه وقْر بُخْتِيّ كُتُبًا.

وعن الشّافعيّ قال: ما ناظرتُ سمينًا أذكى من محمد. وناظرتُه مرّةً فاشتدّت مناظرتي له، فجعلتْ أوداجُه تنتفخ وأزراره تتقطّع زِرًّا زِرًّا.

[الذهبي، شمس الدين، تاريخ الإسلام ط التوفيقية، ١٩٩/١٢]

قلت: وسر هذا — وليس سرا لمن عرف أحوال القوم — أن الرجلين من العلماء، بل من أعلام العلماء، ولهم من الرسوخ في العلم والتمكن والإنصاف والتجرد ما يقل نظيره.

ومن السيئ جيدا مقارنة أحوال هؤلاء بالجهل الذي نعاصره، إذ لم يكن انفعال ابن الحسن حنقا ولا عنادا، بل هو نتيجة طبيعية لشدة احتدام العقول وتبادل الحجج والأقوال.

ولا يعرف هذا من لم يجربه، ولا يجربه من لم يمتلك المادة والفهم الكافِيَيْنِ.
ومثال هذا شدة ابن تيمية عند احتدام النقاش، فهو من جنس الشافعي، كلاهما أسد عند النقاش يفترس خصمه.
ومثلهما الألباني، على أنه لم يكن يتسنى له من يناقشه في المستوى المطلوب، وكان يتأسف لذلك.

من السيئ جدا مقارنة مثل هاته المواقف الملهمة والعظيمة بالجدال العقيم والمناوشات والجهل.

مشكلتنا اليوم الجهل المركب. الداء العضال، الذي كلما داويته ازدادت شدته. فمن أراد السلامة، فلينئ عنه، وليقبل على شأنه.

نسأل الله السلامة والعافية.